د. أسامة بيومي
د. أسامة بيومي يكتب الإنسان بين حضن الأم والذكاء الاصطناعي
الخميس، 23 يوليه 2026 - 08:22 م
منذ أن فتح الإنسان عينيه على الدنيا، كان أول ما عرفه هو حضن أمه. لم يكن ذلك الحضن مجرد مكان، بل كان أول تعريف للأمان، وأول درس في الاحتواء، وأول لغة يفهمها القلب قبل أن ينطق اللسان.
كبر الإنسان، وتغيرت الحياة. أصبح يبحث عن الاحتواء في الأسرة، ثم في الأصدقاء، ثم في شريك الحياة. لكن مع التطور التكنولوجي المذهل، ظهر شريك جديد في حياة الملايين... الذكاء الاصطناعي. فذات صباح أستيقظت على صوت ابنتي "سما" تصرخ بغضب شديد. قفزت من فراشي مفزوعًا، وظننت أن أمراً خطيراً قد حدث داخل المنزل.
كانت تمسك هاتفها المحمول وتقول بانفعال: "قلت لك مائة مرة... اسمي سما، وليس مريم... ولو كررت الاسم مرة أخرى سأحذفك نهائيًا."
اقتربت منها وسألتها: "يا سما... بتزعقي لمين؟"
ابتسمت وقالت: "للشات جي بي تي."
ازدادت دهشتي، فسألتها: "وهو مين الشات جبا تاتا؟" صححت اسمه وهى حاسه بجهلي ،
وقالت: "مريم أختي كان موبايلها بايظ، فاستخدمت موبايلي كام يوم وكانت بتكلمه على إنها مريم، ولما رجعت أستخدمه فضل يناديني مريم."
ضحكت من الموقف، لكنه أثار فضولي. كيف وصل الأمر بفتاة في هذا العمر إلى أن تعاتب برنامجاً وكأنه شخص أخطأ في حقها؟ ومن هنا بدأت رحلتي مع الذكاء الاصطناعي، لا لأختبر قدرته على الإجابة، بل لأفهم سر العلاقة التي بدأت تتشكل بين الإنسان والآلة.
مع مرور الوقت اكتشفت أن ما يجذب الناس إلى الذكاء الاصطناعي ليس فقط سرعة الحصول على المعلومة، بل أسلوب الحوار. فهو يستمع، ولا يقاطع، ويجيب بهدوء، ولا يسخر من سؤال، ولا يضيق بتكراره. وقد يشعر بعض المستخدمين براحة وهم يتحدثون إليه، ليس لأنه يملك مشاعر، بل لأنهم يجدون أمامهم مساحة للتعبير عن أفكارهم دون خوف من النقد أو السخرية.
ومن منظور علم النفس، يحتاج الإنسان دائماً إلى من يشعره بأنه مسموع ومفهوم. لذلك ليس مستغرباً أن يلجأ بعض الأشخاص إلى أدوات رقمية تساعدهم على التعبير عما يدور في داخلهم. لكن من المهم أن ندرك أن الذكاء الاصطناعي لا يشعر بالتعاطف، وإنما يحاكي اللغة التي يعبر بها البشر عن التعاطف. إنه يفهم ما نكتبه من خلال الأنماط واللغة، لكنه لا يعيش المشاعر التي يعيشها الإنسان. فهل المشكلة في التكنولوجيا، أم في أننا أصبحنا أقل قدرة على الإنصات لبعضنا بعضًا؟
ربما انشغلنا بالحياة ،وعدم الرغبة في الاستماع. وربما لهذه الاسباب يشعر البعض بالراحة في الحديث مع برنامج لا يقاطعهم ولا يحكم عليهم.
لكن الخطأ يبدأ عندما نطلب من التكنولوجيا أن تقوم بدور لا خُلقت من أجله. فلا تطبيق، مهما بلغت درجة ذكائه، يستطيع أن يحل محل حضن أم، أو نصيحة أب، أو وفاء صديق، أو دفء أسرة.
لقد خرجت من تلك الواقعة مع ابنتي بقناعة بسيطة: الإنسان لا يبحث عن الإجابة فقط، بل يبحث قبلها عن من يسمعه. وإذا عجزنا عن منح بعضنا هذا الشعور، فسنجد التكنولوجيا تملأ جزءًا من هذا الفراغ، ولو مؤقتاً.
ويبقى التحدي الحقيقي في عصر الذكاء الاصطناعي ألا نفقد إنسانيتنا. فالمعرفة يمكن أن تقدمها الآلة، أما الرحمة، والحنان، والاحتواء، فهي ستظل لغة لا يتقنها إلا الإنسان.
الكلمات الدالة
الاخبار المرتبطة










ياسر عبد العزيز يكتب: أبوريدة.. وعقوبةُ الإحسان!
عدو هند
وجودها كان كعدمه!
23 يوليو... حين قرر المصريون كتابة فصل جديد من تاريخ الوطن
جامعة مصر الجديدة «NEU».. حلم أصبح واقعًا
بابا.. أنا مش موافق!
الوجبة التى قتلت فاروق
مفيد ولكن..!
عرق الفلاح و«الحياة الكريمة» (3-3)